أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
502
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 28 ] يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( 28 ) قوله : وَقَرِّي عَيْناً . نصب على التمييز منقول من الفاعل ، إذ الأصل : لتقرّ عينك ، والعامة على فتح القاف من « قَرِّي » أمرا من قرّت عينه ، وتقرّ بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع ، وقرىء بكسر القاف . وهي لغة نجد يقولون : قرّت عينه تقرّ بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع والمشهور أنّ مكسور العين في الماضي للعين والمفتوحها في المكان يقال : قررت بالمكان أقرّ به ، وقد يقال قررت بالمكان بالكسر ، وسيأتي ذلك في قوله تعالى : وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ، وفي وصف العين بذلك تأويلان : أحدهما : أنه مأخوذ من القرّ وهو البرد ، وذلك أن العين إذا فرح صاحبها كان دمعها قارّا ، أي : باردا ، وإذا حزن كان حارّا ، ولذلك قالوا في الدعاء عليه : أسخن اللّه عينه » وما أحلى قول أبي تمام : 3260 - فأمّا عيون العاشقين فأسخنت * وأمّا عيون الشّامتين فقرّت « 1 » والثاني : أنه مأخوذ من الاستقرار ، والمعنى : أعطاه اللّه ما يسكن عينه فلا تطمح إلى غيره . قوله : فَإِمَّا تَرَيِنَّ دخلت « إن » الشرطية على « ما » الزائدة للتوكيد فأدغمت فيها ، وكتبت متصلة ، و « تَرَيِنَّ » تصريفه ، والعامة على صريح الياء المكسورة ، وقرأ أبو عمرو في رواية « ترئنّ » بهمزة مكسورة بدل الياء ، وكذلك روي عنه « لترؤنّ » بإبدال الواو همزة . قال الزمخشري : هذا من لغة من يقول : لبّأت بالحج ، وحّلأت بالسّويق - يعني : وحلاءت بالهمز - وذلك لتآخ بين الهمز وحرف اللين » . وتجرأ ابن خالويه على أبي عمرو فقال : « هو لحن عند أكثر النحويين » . وقرأ أبو جعفر قارىء المدينة ، وشيبة وطلحة : « ترين » بياء ساكنة ونون خفيفة . قال ابن جني : « وهي شاذة » قلت : لأنه كان ينبغي أن يؤثر الجازم فيحذف نون الرفع ، كقول الأفوه : 3261 - إمّا تري رأسي أزرى به * مأس زمان ذي انتكاس مئوس « 2 » ولم يؤثر هنا شذوذا ، وهو نظير قول الآخر : 3262 - لولا فوارس من نعم وأسرتهم * يوم الصّليقاء لم يوفون بالجار « 3 » فلم يعمل ، وأبقى نون الرفع . و « مِنَ الْبَشَرِ » حال من « أَحَداً » ، لأنه لو تأخر لكان وصفا وقال أبو البقاء : « أو مفعول » . يعني : أنه متعلق بنفس الفعل قبله . قوله : « فَقُولِي » بين هذا الجواب وشرطه جملة محذوفة ، تقديره : فأما ترين البشر أحدا فسألك الكلام فقولي . وبهذا المقدّر تخلّص من إشكال وهو : أنّ قولها « فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا » كلام فيكون تناقضا ، لأنها قد كلمت إنسيّا بهذا الكلام ، وجوابه ما تقدم . وقيل : المراد بقوله : « فَقُولِي » إلى آخره
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ، وهو من شواهد البحر المحيط ( 6 / 170 ) . ( 2 ) البيت من شواهد البحر ( 6 / 185 ) ، القرطبي ( 11 / 97 ) ، روح المعاني ( 16 / 86 ) . ( 3 ) البيت في الخصائص ( 1 / 388 ) ، والمحتسب ( 2 / 42 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 7 / 8 ) ، المغني ( 2 / 339 ) ، التصريح ( 2 / 247 ) ، الهمع ( 2 / 56 ) ، الأشموني ( 4 / 6 ) ، الدرر ( 2 / 72 ) ، الخزانة ( 9 / 2 ) ، اللسان « صلف » .